ابن قتيبة الدينوري

49

تأويل مشكل القرآن

وقوما يسربلون هذا ، ويلبسون هذا تارة ، وهذا تارة . وأما قولهم : ( كيف يكون في النار نبت وشجر ، والنار تأكلهما ؟ ) فإنه لم يرد فيما يرى أهل النظر - واللّه أعلم - أن الضريع بعينه ينبت في النار ، ولا أنهم يأكلونه . والضريع من أقوات الأنعام لا من أقوات الناس ، وإذا وقعت فيه الإبل لم تشبع وهلكت هزلا . قال الهذليّ يذكر إبلا وسوء مرعاها « 1 » : وحبسن في هزم الضريع فكلّها * حدباء دامية اليدين حرود فأراد أن هؤلاء قوم يقتاتون ما لا يشبعهم ، وضرب الضريع لهم مثلا . أو يعذّبون بالجوع كما يعذب من قوته الضريع . وكان ما أراد اللّه بهذا معلوما عندهم مفهوما ، ولو لم يكن كذلك لأنكروه كما أنكروا قوله : إِنَّها شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ ( 64 ) طَلْعُها كَأَنَّهُ رُؤُسُ الشَّياطِينِ ( 65 ) [ الصافات : 64 ، 65 ] وقالوا : كيف تكون في النار شجرة والنار تأكل الشجر ؟ فأنزل اللّه : وَما جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْناكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ [ الإسراء : 60 ] ، يعني بالرؤيا : ما رآه ليلة أسري به وأخبر عنه ، فارتد لذلك قوم ، وزاد اللّه في بصائر قوم . وأراد بالشجرة الملعونة : شجرة الزّقّوم . فهذا وجه . وقد يكون الضريع وشجرة الزّقّوم : نبتين من النار ، أو من جوهر لا تأكله النار . وكذلك سلاسل النار وأغلالها ، وأنكالها وعقاربها وحيّاتها - لو كانت على ما نعلم ، لم تبق على النار ، وإنما دلّنا اللّه سبحانه على الغائب عنده بالحاضر عندنا ، فالأسماء متفقة للدلالة ، والمعاني مختلفة . وما في الجنة من شجرها وثمرها وفرشها ، وجميع آلاتها - على مثل ذلك . قال ابن عباس : نخل الجنة ، جذوعها من زمرّد أخضر ، وكربها من ذهب أحمر ، وسعفها كسوة لأهل الجنة ، منها مقطّعاتهم وحللهم وتمرها أمثال القلال والدّلاء ، أشدّ

--> ( 1 ) يروى عجز البيت بلفظ : حدباء بادية الضلوع حرود والبيت من الكامل ، وهو لقيس بن عيزارة الهذلي في شرح أشعار الهذليين ص 598 ، ولسان العرب ( ضرع ) ، ( هزم ) وأساس البلاغة ( حرد ) ، وتاج العروس ( ضرع ) ، ( هزم ) ، وبلا نسبة في مقاييس اللغة 3 / 396 ، وديوان الأدب 1 / 414 ، والمخصص 10 / 201 .